ابن الجوزي

322

كتاب ذم الهوى

معه للملك من بعدي فزدها من التشريف والإكرام بقدر ما تستحق منك . ففعل الفتى ذلك وعاش مسرورا بالجارية ، وعاش أبوه مسرورا به ، وأحسن ثواب أبيها ورفع مرتبته وشرّفه ، بصيانته سرّه وطاعته ، وأحسن جائزة المؤدب بامتثاله أمره ، وعقد لابنه على الملك بعده . قال اليمان مولى ذو الرياستين : ثم قال لنا ذو الرياستين : سلوا الشيخ الآن لم حملكم على العشق ؟ فسألناه فحدثنا بحديث بهرام جور وابنه . فصل : وأما القسم الثاني من العشق فمذموم لا شكّ فيه . وبيان ذمّه أنّ الشيء إنما يعرف ممدوحا أو مذموما بتأمّل ذاته وفوائده وعواقبه . وذات العشق لهج بصورة ، وهذا ليس فيه فضيلة فيمدح ، ولا فائدة في العشق للنفس الناطقة ، وإنما هو أثر غلبة النفس الشهوانية ، لأنها لمّا قويت أحبّت ما يليق بها . ألا ترى أنّ الصبيان يحبون التماثيل والّلعب أكثر من محبتهم للناس ، لضعف نفوسهم وكونها مماثلة للصور لخلوّها عن رياضة ، فإذا ارتاضت نفوسهم ارتفعت هممهم إلى ما هو أعلى ، وهو حبّ الصور الناطقة ، فإذا ارتاضت نفوسهم بالعلوم والمعارف ، ارتفعت عن حبّ الذوات ، ذوات اللحم والدم ، إلى ما هو أشرف منها . وأتمّ أحوال النفس الشهوانية وجودها مع شهواتها من غير منغص . وأتم أحوال النفس الحيوانية وجود غرضها من القهر والرياسة ، وأتم أحوال النفس الناطقة وجودها مدركة لحقائق الأشياء بالعلم والمعرفة . وهذه النفس لا يستأسرها الهوى ، فإن أمالها طبعها ، أقامها فكرها ، وانتاشها